dcsimg

الفيروسات

المؤلف:
س. مايكل هوجان

تحرير:
سيدني دراجان

المصدر:
موسوعة الأرض

English

الفيروسات هي كائنات مجهرية لا يمكنها التناسخ سوى بخلايا كائن حي مُضيف. تتسم غالبية الفيروسات بأحجام متناهية الصغر ولا ترى سوى بمجهر بصري تقليدي على أقل تقدير. وتُصيب عدوى الفيروسات جميع أنواع الكائنات الحية تقريبًا، بما في ذلك الحيوانات والنباتات، ذلك بالإضافة إلى البكتيريا والعتائق. لقد تم وصف ما لايقل عن 5000 نوع مختلف من الفيروسات بصورة مفصلة إلى الآن، على الرغم من وجود الملايين من الأنواع المختلفة (1). وتتواجد الفيروسات في كل الأنظمة الإيكولوجية بكوكب الأرض تقريبًا، وتعد أشكال الحياة الدقيقية تلك أكثر أنواع الكيانات الحيوية توفرًا. (2) وتُعرف دراسة الفيروسات بعلم الفيروسات، وهو أحد تخصصات علم الأحياء المجهرية.

ويتركز المفهوم الشائع للفيروسات على دورها كمسببات للأمراض. وفي الواقع، هناك عدد هائل من الكيانات الفيروسية التي تقدم فوائد إلى أنواع منفردة كما توفر خدمات إلى النظام الإيكولوجي. على سبيل المثال، يمتلك صف من الفيروسات يدعى العاثيات القدرة على قتل مجموعة متنوعة من البكتيريا الضارة، مما يوفر الحماية للبشر وغيرهم من الكائنات الحية.

تعد الفيروسات أحد ركائز دورة الكربون؛ ويشمل دورها في الكيمياء الحيوية للمحيطات عمليات ميكروبيولوجية إيضية، بما في ذلك التحلل. ويحفز ذلك التحلل تنفس النباتات البحرية لكمية هائلة من ثاني أكسيد الكربون. ويستهلك ذلك التنفس على ثلاث جيجا طن من الكربون المتواجد بالجو سنويًا بفاعلية كبيرة. وبصورة خاصة، يتم تطوير الفيروسات كأدوات بمجالي الطب الحديث البناء و مجال تكنولوجيا النانو الهام على حدٍ سواء.

وبعكس البريون وأشباه الفيروسات، تتكون الفيروسات من جزأين أو ثلاثة: جزيء حلزوني، وطبقة بروتينية، وغطاء فيروسي في بعض الأحيان. وتتكون جينات جميع الفيروسات من الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) أو الحمض الريبي النووي (الرنا)، جزيئات حلزونية طويلة تضم معلومات وراثية. وتضم جميع الفيروسات طبقة من البروتين توفر الحماية إلى تلك الجينات، ويغلف بعضها مغلف فيروسي يتكون من الدهون، يحيط بها حين تتواجد خارج الخلية. (لا تضم أشباه الفيروسات طبقة من البروتين كما لا يحتوي البريون على الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) أو الحمض الريبي النووي (الرنا)).

تتنوع أشكال الفيروسات ما بين الأشكال الحلزونية وعشرونية الوجوه البسيطة وتراكيب أكثر تعقيدًا. وتصل أحجام غالبية الفيروسات إلى مائة مرة أصغر من متوسط حجم البكتيريا. ولا تزال أصول الفيروسات بالتاريخ التطوري غير واضحة. ومن المحتمل أن بعض الفيروسات تطورت من البلازميدات؛ وهي أجزاء من الحمض النووي تمتلك القدرة على التنقل ما بين الخلايا، بينا يرجح أن البعض الأخر قد تطور من البكتيريا. وفي علم التطور، تعد الفيروسات أحد الوسائل الهامة للنقل الأفقي للمورثات، مما يعزز من التنوع الوراثي.

هل تمثل الفيروسات أحد أشكال الحياة؟
لا تملك الفيروسات القدرة على القيام بعملية الأيض دون الاعتماد على كائن حي مُضيف للتناسخ وتكوين المواد الكيميائية اللازمة لعملية التناسخ تلك. ولقد وصف إدوارد رايبيكي الفيروسات باعتبارها شكل "على حافة الحياة". (3) وتتواجد الفيروسات بعلم التصنيف الحديث، الذي يصنفها كأحد أشكال الحياة المنفصلة تمامًا عن الكائنات الخلوية. وقد يقول البعض بأن الفيروسات لا تتعدى كونها جزيئات مركبة تضم غطاء بروتيني ولكنها لا تعد من أشكال الحياة على الإطلاق. بما أن الفيروسات تمتلك القدرة على التناسخ، فهي بالتأكيد أحد أنواع أشكال الحياة كما يرجح مشاركتها في النمو التطوري المبكر لأشكال الحياة البسيطة الآخرى مثل البكتيريا والأوليات.

وعلى الرغم من ذلك، تختلف الفيروسات عن التناسخ المستقل البسيط للبلورات الكيميائية. ويعزى ذلك إلى أن الفيروسات قد ترث طفرة وراثية كما أنها معرضة إلى عمليات انتقاء طبيعي مشابهة للكائنات الخلوية. ومن ثم، لا يمكن تصنيف الفيروسات كجماد أو كائنات غير حية ببساطة. وسوف يتم تناول الفيروسات هنا باعتبارها أحد أشكال الحياة، ولكننا نتبع التصنيف الحالي ولا نمنحها نطاق مماثل لأي من أشكال الحياة الخلوية المعروفة الآخرى.

التطور
على الرغم من عدم توفر دليل مفصل يوضح العلاقات التطورية ما بين الفيروسات والكائنات المُضيفة، إلا أنه من الممكن تحديد بعض السمات العامة لتلك العلاقات. وبوجه عام، يماثل التصنيف الجزيئي العلاقات الوراثية للكائنات المضيفة في مجموعات فيروسية مثل الفيروسات الجدرية، وفيروسات الأورام الحليمية، وفيروسات التوبامو. (4) ويشير ذلك إلى أن تلك المجموعات الفيروسية تسبق الأشكال الحالية المشتقة منها، بل وأنه من المرجح أن تلك المجموعات الفيروسية قد تطورت بصورة مشتركة مع الكائنات المُضيفة لها. ومن ناحية أخرى، هناك عدة أمثلة واضحة على مجموعة متقاربة وراثيًا، مثل فيروسات التوبامو، تسكن كائن مُضيف مختلف من الناحية الوراثية؛ وبوجه خاص، عادة ما تستغل فيروسات التوبامو نباتات تندرج تحت فصيلة الباذنجانيات، ولكن قد تضم المجموعة فيروس الصبار أو الزهرة السحلبية أيضًا.

يمثل التأشيب الجيني للأجزاء الجينومية من الفيروسات لغزًا محيرًا بدرجة أكبر، لأن الأحداث المتضمنة به تمثل أجزاء عشوائية من سلسلة تطورية. وتعد الفيروسات القهقرية والفيروسات الصفراء من أمثلة المجموعات الفيروسية لتي شهدت أعداد كبيرة من أحداث التأشيب الجيني لانتاج كائنات حية جديدة. وفي بعض الأوقات، يحدث ذلك التضفير الجيني الناتج بصورة طبيعية، باستخدام أجزاء ذات طبيعة فيروسية أو خلوية. وفي بعض الحالات، يكون المُنتج بمثابة مجرد إعادة ترتيب للأجزاء الجينومية، فيما يشار إليه بالتأشيب الجيني الزائف. ويعد فيروس التهاب الدماغ الخيلي الغربي أحد الأمثلة الشهيرة على تلك الفئة الأخيرة.

ومن المرجح أن الفيروسات قد بدأت العلاقات مع الكائنات المضيفة عبر العتائق والبكتيريا منذ ما يقارب ملياري عام. ومع ذلك، فقد أُشير إلى أن تكاثر النباتات الوعائية البرية كان الحدث الذي مثل نقطة التحول في عملية التطور، والذي أفسح المجال لانفجار أعداد المسارات والكائنات الفيروسية. (5)

التصنيف
هناك نظامان مكملان لبعضهما للتصنيف الفيروسي: نهجي اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات وتصنيف بلتيمور. وفيما يختص باللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات، هنالك خمسة رتب مختلفة: الفيروسات الذنبية، والفيروسات الحلئية، والفيروسات السلبية الأحادية، والفيروسات العشية، والبيكورناويات. ويتضمن ذلك التسلسل التصنيفي 82 فصيلة، و37 جنس، و2083 نوع. (6)

ولقد ابتكر دافيد بلتيمور نظام سابق يعتمد على أسلوب تخليق مرسال الحمض الريبي النووي الفيروسي. (7) ويستند مخطط بلتيمور إلى آلية انتاج مرسال الحمض الريبي النووي الفيروسي. وعلى الرغم من أن الفيروسات يجب أن تنسخ مرسال الحمض الريبي النووي من الجينومات لتتمكن من انتاج البروتين والتكاثر، إلا أنه يتم استخدام آليات مختلفة ومتنوعة ضمن كل فصيلة فيروسية. وقد تكون الجينومات الفيروسية وحيدة أو مزدوجة الجديلة، وقد تكون مرتكزة على الحمض الريبي النووي (الرنا) أو الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) ، وقد يتم استخدام إنزيم النسخ العكسي بصورة اختيارية. وعلاوة على ذلك، قد تكون حلزونات الحمض الريبي النووي وحيد الجديلة بالفيروس ذات اتجاه (+) أو اتجاه مضاد (-). وتقسم تلك الفوارق الدقيقة الفيروسات إلى سبعة مجموعات وفقًا لتصنيف بلتيمور.

ويتركز مخطط تصنيف بلتيمور على مفهوم تناسخ مرسال الحمض الريبي النووي، بما أن الفيروسات تفرز مرسال الحمض الريبي النووي من الترميز الجينومي لانتاج البروتينات، وتتحول إلى نسخ نفسها عند تلك النقطة. وفيما يلي مجموعات بلتيمور الناتجة عن تلك العملية:
• I: نوع الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين مزدوج الجديلة (مثل: الفيروسات الغدانية، والفيروسات الهربسية، والفيروسات الجدرية)
• II: نوع الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين وحيد الجديلة، الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين ذا اتجاه (+) (مثل: الفيروسات الصغيرة)
• III: نوع الحمض الريبي النووي مزدوج الجديلة (مثل: الفيروسات التنفسية المعوية اليتيمة)
• IV: نوع الحمض الريبي النووي وحيد الجديلة ذا اتجاه (+)، الحمض الريبي النووي ذا اتجاه (+) (مثل: الفيروسات البيكورناوية، والفيروسات الطخائية)
• V: نوع الحمض الريبي النووي وحيد الجديلة ذا اتجاه (-)، الحمض الريبي النووي ذا اتجاه (-) (مثل: الفيروسات المخاطية القويمة، والفيروسات الربدية)
• VI: نوع الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين وحيد الجديلة يضم إنزيم المنتسخة العكسية، الحمض الريبي النووي ذا اتجاه (+) مع تواجد الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين بوسط دورة الحياة (مثل: الفيروسيات القهقرية)
• VII: نوع الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين مزدوج الجديلة يضم إنزيم المنتسخة العكسية (مثل: الفيروسات الكبدية)

التركيب المورفولوجي
يتراوح طول غالبية الفيروسات ما بين 10 و 300 نانومتر، على الرغم من أن بعض أنواع الفيروسات الخيطية قد يصل طولها إلى 1400 نانومتر، كما يصل قطرها إلى حوالي 80 نانومتر.
ويتكون فيروس مكتمل، يُعرف بالفيريون، من حمض نووي مغلف بطبقة خارجية حافظة تتكون من البروتينات يدعى القفيصة؛ ويتكون من وحدات فرعية بروتينية متطابقة تسمى القسيمات القفيصية.
هنالك بضعة فيروسات لا ترى بالمجهر الضوئي البدائي، ولكن يمكن استخدام مجهر إلكتروني نافذ ماسح لرصد الفيريون. ولتعزيز التباين ما بين الفيروس والخلفية، يتم استخدام تقنية التلوين الكثيف على الإلكترونات، والتي تتضمن محاليل من الأملاح المعدنية الثقيلة (مثل التنجستن) قادرة على تفريق الإلكترونات المتصادمة من المناطق المغطاة بالمُلون. عند تغطية الفيريون بمُلون موجب، يتم حجب الفوارق الدقيقة، وبينما يتم اضافة المُلونات السالبة (بالخلفية فقط) لتُكمل ملاحظات التلوين الموجب. هناك أربعة أشكال من التراكيب المختلفة الكبرى:

الحلزون: تمتاز تلك المجموعة بنوع واحد من القسيمات القفيصية متجمع حول محور مركزي ليشكل تركيب حلزوني الشكل، قد يتضمن تجويف مركزي داخل الحلزون. وينتج عن ذلك الشكل الهندسي تراكيب تشبه القضبان أو أخرى خيطية، والتي قد تكون طويلة، ومرنة، وخيطية أو مختزلة وصلبة. وفي أغلب الأحيان، يتكون الجزيء الضخم المركزي من الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين وحيد الجديلة المثبت داخل الحلزون المتكون من البروتين عن طريق تفاعلات قطبية ما بين الحمض النووي ذا الشحنة السالبة والشحنة الموجبة الفعالة بسطح الخلية. ويعد فيروس تبرقش التبغ من أبرز أمثلة الفيروسات الحلزونية.
الغلاف: في بعض الحالات، يتم استخدام أحد الأغشية الخلوية بالكائن المُضيف كغلاف للفيروس، وقد يكون ذلك الغشاء الخلوي الخارجي أو الغشاء النووي. وتتحول تلك الأغشية إلى دهن ثنائي الطبقة يُعرف بغلاف الفيروس. ويمتليء الغشاء بالبروتينات المُرمزة من قبل كل من جينوم الفيرس وجينوم المُضيف؛ ويستمد غشاء الدهن وأية كربوهيدرات متواجدة من الكائن المُضيف فحسب. ويتبع كل من فيروس الإنفلونزا وفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) تلك الاستراتيجية.
عشروني الوجوه: يعد ذلك الشكل الأبرز للفيروسات التي تُصيب الكائنات المُضيفة من الحيوانات. وتتسم تلك الفيروسات بأشكال هندسية شبه دائرية أو عشرونية الوجوه وتناظر عشروني الوجوه. ويعد الشكل العشروني الوجوه التقليدي أسلوب الطبيعة الأمثل لانتاج قشرة مغلقة من الوحدات الفرعية المتطابقة. ويحتاج ذلك التركيب إلى اثني عشر قسيم قفيصي على الأقل، يتكون كل منها من خمسة وحدات فرعية متطابقة. ويشمل عدد من الفيروسات (مثل الفيروس العجلي) أكثر من اثنى عشر قسيم قفيصي كما أن له شكل كروي، ولكنها تعكس التناظر الضمني. ويحيط قمم القسيمات القفيصية خمسة قسيمات قفيصية أخرى تسمى بالخماسيات (Pentons)، بينما يحيط القسيمات القفيصية بالأوجه ثلاثية الزوايا ستة قسيمات قفيصية أخرى تسمى بالسداسيات (Hexons).
تراكيب معقدة: وقد تشتمل التراكيب الفيروسية الأكثر تعقيدًا على قفيصة ليست حلزونية، أو عشرونية الأوجه بصورة تامة. وقد تضم تراكيب إضافية مثل الأذناب البروتينية أو الجدار الخارجي المعقد. وتتسم بعض العاثيات، بما في ذلك عاثية الأمعاء T4 بتراكيب معقدة تتضمن رؤؤس عشرونية الأوجه متصلة بذنيب حلزوني قد يكون له صفيحة قاعدية سداسية الشكل تضم أنسجة بروتينية بارزة بالأذناب. ويؤدي مثل ذلك الذنيب وظيفة محقنة جزيئية، حيث يتصل أولاً بالمُضيف البكتيري، ثم يقوم بحقن خلية الكائن المُضيف بالحمض الريبي النووي (الرنا) أو الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) الخاص بالفيروس.
التناسخ
يعتمد الفيروس بشكل كامل على الكائن المُضيف للتكاثر، وتتألف دورة حياته من ستة مراحل رئيسية:

الارتباط هو رابط بين الجزيئات يصل ما بين بروتينات قفيصة فيروسية ومستقبلات بالغشاء الخارجي لخلية المُضيف. وتحدد نوعية الرابط نوع الكائن المُضيف وأنواع الخلايا التي تستقبل العدوى الفيروسية. على سبيل المثال، يُصيب فيروس نقص المناعة المكتسب الخلايا اللمفاوية التائية البشرية فقط؛ لتفاعل البروتين المتواجد بالسطح مع مستقبلات السيتوكين وبروتينات كتلة التمايز 4 المتواجدة على سطح الخلايا التائية. ويُعتقد بأن تلك الآلية قد تطورت لتتمكن من التمييز لصالح تلك الفيروسات التي تُصيب الخلايا التي تستطيع التناسخ بها فحسب. وقد يتسبب الارتباط بالغشاء الخلوي الخارجي للكائن المُضيف في حدوث تغيرات ببروتين المغلف الفيروسي ينتُج عنها اندماج أغشية الخلية المُضيفة والفيروس.
دخول الفيروس هو الخطوة التالية، حيث يخترق الفيروس جدار الخلية المُضيفة. وفي حالة خلايا النباتات، يتكون الغشاء الخارجي للخلية من السليلوز، ولذلك يجب أن يحدث الارتطام بجدار الخلية أولاً. وعلى الرغم من ذلك، تستطيع بعض فيروسات النباتات (مثل، فيروس التبغ المبرقش) المرور من خلية إلى أخرى عبر الرابطات الهيولية، أو التراكيب المسامية. وعلاوة على ذلك، تمتلك البكتيريا جدران خلايا قوية بصورة استثنائية. ولقد طورت بعض الفيروسات آليات لحقن الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) والحمض الريبي النووي (الرنا) بالبكتيريا، بينما يظل القفيص الفيروسي بالخارج.
إن خطوة إزالة الغلاف هي الخطوة التي تقوم بها الإنزيمات الفيروسية بتحليل قفيص الفيروس؛ وفي بعض الأحيان، تلعب إنزيمات الكائن المُضيف أيضًا دورًا بعملية التحلل تلك، والتي تُدخل جينوم الفيروس إلى الجزء الداخلي من المصنع الكيميائي بخلية المُضيف.
يعد التناسخ هو التخليق الحقيقي لـ(1) مرسال الحمض الريبي النووي (الرنا) الخاص بالفيروس (باستثناء الحمض الريبي النووي ذا الاتجاه الموجب)؛ و(2) تخليق بروتينات الفيروس، و(3) جمع مواد الجينوم المتناسخ والرابط البروتيني الملحق بها.
يظهر التعديل اللاحق للتحويل في بعض الأحيان. على سبيل المثال، في حالة فيروس نقص المناعة المكتسب، تحدث تلك الخطوة (عادة ما يطلق عليها النضوج) حالما يخرج الفيروس من خلية الكائن المُضيف.
الانحلال هو الخطوة الأخيرة التي تشهد تموت خلايا الكائن المُضيف نتيجة لتمزق أغشيتها بسبب خروج الفيروس. وفي بعض الحالات، يدخل جينوم الفيروس في طور السكون داخل الكائن المُضيف، ليعود إلى نشاطه في وقت لاحق، عند انحلال الفيروس النشط فيما بعد.
علم الأمراض
تستخدم الأمراض عدة آليات لإصابة كائن حي بالمرض، ويتوقف ذلك بصورة رئيسية على إصنوفة الفيروس. وعلى مستوى الخلية، غالبًا ما تشمل تلك الآليات عملية انحلال الخلية؛ وتمزق الخلية وموتها. وبالكائنات الحية متعددة الخلايا، عند موت عدد كافٍ من الخلايا، يصبح الكائن الحي عرضة إلى تمزق إيضي كامل أو حتى الموت. وعلى الرغم من أن الفيروسات قد تتسبب في تعطيل خاصية الاستتباب التقليدي، وينتج عن ذلك الإصابة بالمرض، إلا أن الفيروسات قد تدخل، في بعض الحالات، في طور الكمون بداخل الكائن الحي دون أن يظهر لها أي أضرار. على سبيل المثال، يُشير مصطلح كمون الفيروس إلى قدرة فيروس الحلأ البسيط، الذي يشمل قرحة الزكام، على البقاء كامنًا داخل جسم الإنسان.
وتضم مسارات الهجمات الفيروسية الاستنشاق عن طريق مجرى التنفس، والهضم، والاتصال بسوائل الجسم، والاتصال الجلدي. وقد تختلف سمات مسارات الهجوم الخاصة بكل فيروس، كما تعد عملية الوقاية صعبة نتيجة لحجم الفيروسات المجهري واستمراريتها خارج الكائنات الحية. ويجعل حجم الفيروسات التحت الخلوي المتناهي الصغر من إيقافها باستخدام الأقنعة أو الفلترات أمرًا مستحيلاً.

العدوي التي تصيب البشر
تضم الأمراض التي تصيب البشر وتسببها الفيروسات الجدري، ونقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والإنفلونزا، وماربورج، والإيبولا، وهانتا، وإنفلونزا الطيور، وقرح الزكام، والزكام. ويدل مدى خبث الفيروسات على قدرتها النسبية على التسبب في الأمراض.

قد تتسبب بعض الأمراض في عدوى مزمنة، حيث يتناسخ الفيروس عبر جميع أشكال الحياة المتبقية بالكائن المُضيف، على الرغم من آليات الدفاع المُستخدمة. وينتشر تلك العارض بالعدوي الفيروسية لالتهاب الكبد ب وج. ويعد المُصاب بالعدوى المزمنة حامل للمرض؛ ويحمل مخزون من فيروس معدي طوال حياته. وفي التعدادات البشرية المحلية ذات النسبة المرتفعة من حاملي المرض، يُصنف المرض كمرض متوطن.

قد يتم نقل العدوى الفيروسية بصورة عمودية (من الأم إلى الطفل) أو أفقية (من فرد إلى أخر)، ويعد الانتشار الأفقي الآلية الأكثر شيوعًا لانتشار الفيروسات. وقد تحدث العدوى الأفقية عن طريق نقل الدم، أو تبادل سوائل الجسد عن طريق النشاط الجنسي، أو التبادل الفموي للعاب، أو من غذاء أو مياه ملوثة، أو استنشاق الفيروسات المتواجدة بالهباء الجوي، أو عبر نواقل للمرض من الحيوانات أو الحشرات مثل البعوض. ولكل فيروس آلية مفضلة لنقل العدوى كما ترتبط سرعة انتشار الأمراض الفيروسية بعدة عوامل، أبرزها كثافة تعداد البشر والصحة الوقائية. وهنالك أدلة تثبت كمون الكثير من الفيروسات الفتاكة بدرجة كبيرة في خزانات حيوية بالمناطق النائية، وأن تعدي البشر على المناطق الطبيعية التي قد تكون معزولة لفترات طويلة قد يؤدي إلى انتشار الأوبئة. ولقد تم تقديم تلك النظرية باعتبارها تنطبق على فيروسي الإيبولا ونقص المناعة المكتسب (الإيدز)، حيث يعتقد بأنهما كانا يسكنا مواطن معزولة بإفريقيا لآلاف السنين.

الفيروسات التي تُصيب النباتات
هناك عدد كبير من الفيروسات التي تُصيب النباتات والتي تظهر عوارضها في صورة تأثيرات سطحية فحسب مثل تشوه الثمرات. ومع ذلك، قد ينتج عن تلك الفيروسات انخفاض كبير في حجم المحاصيل أو حتى الفقدان الكارثي لتعداد نبات ما بأكمله في منطقة محلية. وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون مكافحة تلك الفيروسات غير ممكنة من الناحية الاقتصادية. وفي العديد من الحالات، تنتشر الفيروسات التي تصيب النباتات بصورة أفقية عن طريق كائنات تمثل طرف ثالث، تسمى بالنواقل، وقد تكون من الحشرات، أو الفطريات، أو الديدان الأسطوانية، أو الأوليات. وعادة ما تشمل عملية مكافحة الفيروسات التي تصيب النباتات قتل النواقل التي تنقل المرض أو القضاء عليها أو إزالة تعدادات الأعشاب المتواجدة بالمحاصيل والتي تمثل مُضيف ثانوي للمرض. لا يمكن لفيروسات النباتات أن تُصيب الحيوانات بالعدوى، ويرجع ذلك لأن عملية التناسخ لا يمكن أن تتم سوى بخلايا النباتات الحية.

تستخدم الأنواع النباتية آليات دفاعية معقدة للتصدي لهجمات الفيروسات. ويمثل تواجد الجينات المقاومة واحدًا من أكثر الآليات الدفاعية فاعلية، حيث يُبدي كل منها مقاومة ضد نوع محدد من الفيروسات عن طريق التسبب في موت الخلايا بالمناطق المركزية المحيطة بالخلية المصابة، والتي غالبًا ما تظهر للعين المجردة في صورة لطخ كبيرة. وتمنع تلك الظاهرة انتشار العدوى الفيروسية. ويمثل تداخل الحمض الريبي النووي (الرنا) أحد الآليات الدفاعية البديلة.

العاثيات
العاثيات هي فيروسات تقوم بمهاجمة كائن مُضيف من البكتيريا، كما تعد واحدة من الكائنات الأكثر شيوعًا بكوكب الأرض، وتتواجد بالتربة، ومياه المحيطات، والهباء الجوي، وداخل أمعاء الحيوانات. على سبيل المثال، قد يتواجد ما يصل إلى 900 مليون فيروس بمليمتر واحد من مياه البحار، بالحصيرة الميكروبية السطحية؛ عن طريق عملية تخليق الحمض الريبي النووي (الرنا). (8) ونتيجة لذلك، قد يصل معدل إصابة البكتريا البحرية بالعدوى إلى ما يقارب نسبة السبعون في المائة.

وقد تقوم العاثيات بحقن الجينوم الخاص بها بخلية البكتيريا عبر تركيب الذنيب، بعد أن تقوم بزرع نفسها أعلى جدار خلية المُضيف عن طريق أنسجة الذنيب الطويلة. ويعد حجم كل عاثية صغير جدًا مقارنة بحجم خلية البكتيريا المُضيفة. وبما أن الكثير من البكتيريا قد طورت آليات مقاومة ضد مجموعة متنوعة من الأدوية، تعتبر العاثيات في الوقت الحالي من العوامل التي يمكن استخدامها لمكافحة مجموعة محددة من العاثيات البكتيرية المقاومة للدواء.

تشمل العاثيات مزدوجة الجديلة ذات الأذناب المُكونة من الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) نسبة تصل إلى 95% من العاثيات المعروفة. ويتمثل أبرز التيكتيكات الدفاعية التي تستخدمها البكتيريا في انتاج إنزيمات تقوم بقتل الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) الدخيل. وتعمل نوكليازات الاقتطاع الداخلية تلك على اعتراض طريق الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) الخاص بالفيروس والذي تم حقنه بخلية الكائن المُضيف.

البيئة البحرية ودورة الكربون
تؤدي العاثيات، على وجه الخصوص، وظيفة محورية بالبيئة البحرية ودورة الكربون. وتنتشر تلك الكائنات الحية انتشارًا واسعًا بمحيطات العالم، كما تتواجد في بعض الأحيان في تجمعات تصل إلى 900 مليون عاثية لكل مليمتر. ثانيًا، تملُك العاثيات دورة تناسخ وهجوم سريعة للغاية، حيث أنها تمتُلك القدرة على الاتصال بكائن مُضيف من البكتيريا وحقننه بالمادة الجينومية في غضون دقائق، كما تنفذعملية التناسخ الجيني الخاصة بالفيروسات الجديدة خلال حوالي عشرون دقيقة. ومن ثم، تمتاز العاثيات بالقدرة على التضاعف بمعدلات سريعة للغاية في البيئة البحرية.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن نشير إلى الارتباط الوثيق ما بين تواجد العاثيات وتركيزات مياه المجاري. ويرجع ذلك إلى تواجد بكتيريا مثل الإشريكية القولونية في مياه المجاري غير المعالجة. وفي الكثير من مناطق العالم، يتم تصريف كميات كبيرة من مياه المجاري غير المعالجة بالمحيطات. ولولا قدرة العاثيات على التحليل المنهجي للمعدلات المرتفعة من البكتيريا الناتجة عن تصريف مياه المجاري، لتواجدت تركيزات كبيرة للغاية من البكتيريا، وتضائلت فرصة التنفس المعزز لثاني أكسيد الكربون بالواجهة البيئية المتمثلة في الجو/ سطح المحيطات. ويقدر معدل التنفس الناتج لامتصاص المحيطات للكربون المتواجد بالجو بثلاثة جيجا طن سنويًا (9)، فيما يعادل نسبة كبيرة من كمية الكربون الناتجة عن احتراق الوقود الحفري بالجو. ومن ثم، قد يلعب الوصول إلى فهم أكبر لتلك العمليات الفيروسية دورًا محوريًا في استيعاب توازن الكربون بالعالم، أو حتى في اتخاذ قرارات إدارية ذكية لتفادي تراكم غازات الاحتباس الحراري.

References
  1. M. Breitbart and F. Rohwer. 2005. Here a virus, there a virus, everywhere the same virus?, Trends Microbiol., vol. 1, issue 6, pp 278-284
  2. R. A. Edwards and F. Rohwer. 2005. Viral metagenomics. Nat. Rev. Microbiol., vol 3, issue 6, pp 504–510
  3. E. P. Rybicki. 1990. The classification of organisms at the edge of life, or problems with virus systematics. S Aft J Sci 86:182–186 Advances in Virus Research. 394 pages
  4. Adrian J. Gibbs, Charles H. Calisher and Fernando Garcia-Arenal. 1995. Molecular basis of virus evolution. 603 pages
  5. Karl Maramorosch, Frederick A. Murphy and Aaron J. Shatkin. 2003. Advances in Virus Research. 394 pages
  6. International Committee on Taxonomy of Viruses. 2008. Virus Taxonomy 2008. [Retrieved on May 11, 2010]
  7. David Baltimore. 1974. The strategy of RNA viruses. Harvey Lectures. vol 70, pp 57-74
  8. K. E. Wommack and R. R. Colwell. 2000. Virioplankton: viruses in aquatic osystems Microbiol. Mol. Biol. Rev. vol. 64, issue 1, pp 69–114
  9. C. A. Suttle. 2007. Marine viruses--major players in the global ecosystem. Nature Reviews. Microbiology. 5 (10):801–12

ذلك المقال مأخوذ من موسوعة الأرض.
متاح تحت رخصة النسب-الترخيص بالمثل CC BY-SA 2.5

الاستشهاد
س. مايكل هوجان (المؤلف الرئيسي);د. سيدني دراجان. (محرر الموضوع) "الفيروسات". في: موسوعة الحياة. محررون. كاتلر ج. كليفلاند (واشنطن العاصمة: ائتلاف المعلومات البيئية، المجلس الوطني للعلوم والبيئة). [نُشر بموسوعة الحياة لأول مرة في 12 مايو 2010، وتم مراجعته لأخر مرة في 30 ديسمبر 2010؛ استُرجع في 28 سبتمبر 2012. موسوعة الأرض